ابن الجوزي
246
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
ونقلت من خط أبي الوفاء بن عقيل قال : قدم أبو المعالي الجويني بغداد أول ما دخل الغز ، وتكلم في أبي إسحاق ، وأبي نصر بن الصباغ ، وسمعت كلامه قال : وذكر الجويني في بعض كتبه ما خالف به إجماع الأمة ، فقال : إن الله تعالى يعلم المعلومات 119 / أمن طريق الجملة لا من طريق التفصيل . قال : وذكر لي الحاكي عنه وهو من الفضلاء : من مذهبه أنه ذكر على ذلك شبهات سمّاها حججا برهانية . قال ابن عقيل : فقلت له : يا هذا ، تخالف نص الكتاب ، قال الله تعالى : * ( وما تَسْقُطُ من وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأَرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إِلَّا في كِتابٍ مُبِينٍ 6 : 59 ) * [ 1 ] وقال : * ( يَعْلَمُ ما في أَنْفُسِكُمْ 2 : 235 ) * [ 2 ] * ( ويَعْلَمُ ما في الأَرْحامِ 31 : 34 ) * [ 3 ] و * ( يَعْلَمُ السِّرَّ وأَخْفى 20 : 7 ) * [ 4 ] * ( وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ 2 : 29 ) * [ 5 ] ثم انتقل إلى بيان علم ما لم يكن إن لو كان كيف كان يكون فقال * ( لَوْ رُدُّوا لَعادُوا 6 : 28 ) * [ 6 ] وهذا من جهة السمع ، فأما من جهة العقل فإنه خلق جميع الأشياء الكليات والجزئيات ، وهذا غاية الدليل على الإحاطة بتفاصيل أحوالها ، ومعلوم أن دقائق حكمته المدفونة في النحل وهو ذباب من سمع وبصر [ وتهد ] [ 7 ] إلى دقائق الإتقان في عمل البيوت والادخار للأقوات ما يبطل هذا ، ولو صح ما قال كانت الجزئيات في حيز الإهمال ، ومن نفى عن نفسه الجهل وأثبت لها العلم كيف يقال فيه هذا . وقد عجبت من تهجمه بمثل هذا ، وهذه المقالة غاية الضلالة ، هذا كله كلام ابن عقيل . وحكى هبة الله بن المبارك السقطي قال : قال لي محمد بن الخليل البوشنجي : حدثني محمد بن علي الهريري وكان تلميذ أبي المعالي الجويني قال : دخلت عليه في مرضه الَّذي مات فيه وأسنانه تتناثر من فيه ويسقط منه الدود لا يستطاع شم فيه [ 8 ] ، فقال : هذا عقوبة تعرضي بالكلام فاحذره .
--> [ 1 ] سورة : الأنعام ، الآية : 59 . [ 2 ] سورة : البقرة ، الآية : 235 . [ 3 ] سورة : لقمان ، الآية : 34 . [ 4 ] سورة : طه ، الآية : 7 . [ 5 ] سورة : البقرة ، الآية : 29 . [ 6 ] سورة : الأنعام ، الآية : 28 . [ 7 ] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل . [ 8 ] في الأصل : « فمه »